2006-09-09

قراءة في قصيدة انكسارات .... بقلم الكاتبة بسمة فتحي

هذه قراءة نقدية لقصيدتي " انكسارات " .. بقلم الأديبة بسمة فتحي .. وقد نشرت القراءة في عدة مجلات ومواقع ومنتديات ادبية .. وبسمة فتحي أديبة فلسطينية عضو في تجمع الأدباء والكتاب الفلسطينيين ، صدر لها مجموعة قصصية بعنوان " شرشف ابيض " .. ولها الكثير من الأعمال الأدبية المنشورة في مجلات وصحف مختلفة

قراءة في قصيدة انكسارات .... بقلم الكاتبة بسمة فتحي

بداية أنوه للقراء الكرام أنني لست بناقدة و لا أعرف كثيرا في فن النقد الأدبي و الذي في كثير من الأحيان يكون بمستوى إبداع العمل الأدبي نفسه.

إلا أن قصيدة شاعرنا المبدع منذر أبو حلتم ((انكسارات)) تركت أثرا كبيراً في نفسي ، حتى أنني ما بين فترة و أخرى استخرجها من بين أوراقي لأعاود قراءتها.

و أنا هنا في موضوعي هذا لأشكر شاعرنا على قصيدته الرائعة، و بعدها محاولة التجديف في مياه بحرها العميقة. و كلي أمل أن أُوفق في ذلك .



أولاً: القصيدة


ما زلت حياً

غير ان الروح أضحت

بحر ثلج وشظايا

وانكسارات حزينة

.. طروادة العذراء يخنقها الحصار

وفي المدى غيوم الموت قادمة

ونحن نفتح لحصان الغدر

أبواب المدينة …!!


* * *

أي بحر من جنون .

أي طوفان مقيت ..

أي غيم أسود

وأي ريح أسقطت قناع الزيف

يا وجه الحقيقة ؟!


* * *

سامحيني يا حبيبة

إذ أتيتك مرهقاً

كالنخل حين تهزه هوج العواصف

مثلما البحر المكسر كالمرايا

مثلما الصحراء .. إذ يمتد في جنباتها

وهم السراب

مثلما الليل المعرى من نجوم .. ساهرات

فغدا سجناً .. محاطاً بالسواد !


* * *

هذا أنا ..

بستان شوك مالح

أفق غريب دون شمس

زورق .. فقد الشراع

بئر حزن صامت ..

وألف عصفور قتيل ..!

من جراحي نزف دجلة

في دمي صوت الجليل ..!

في الثنايا من فؤادي

بسمة خجلى تراود

ثغرك الوردي ..

يا حلم الرؤى

وفي عينيك .. رايات لأرض

وجهها وجه الحريق ..


* * *

أحبك أدري

ان حبك قاتلي ..

وان حصار الروح يقتل

كل أحلامي الجميلة

..كيف البحار جميعها ..

أضحت مطايا ..

تحضن الريح الدخيلة ..؟

تعبت .. تعبت

وقاتلي دوما أنا ..

سيف القبيلة ..!

* * *

الريح تعرف دربها

وكذا شراعي

غير ان الموج قد هجر البحار ..

الريح تعرف دربها

لكن ظهر الريح

اثقله الغبار ..!


* * *

ما زلت حياً يا حبيبة

غير ان الروح صارت ..

بحر ثلج وشظايا

وغروب .. وانكسارات حزينة


ثانياً : محاولة التجديف في بحر القصيدة

ما زلت حياً
غير ان الروح أضحت
بحر ثلج وشظايا
وانكسارات حزينة
.. طروادة العذراء يخنقها الحصار
وفي المدى غيوم الموت قادمة
ونحن نفتح لحصان الغدر
أبواب المدينة …!!
ابتدأ شاعرنا قصيدته بالتأكيد على أنه ما زال حياً ينبض بالحياة و ذلك بقوله ((ما زلت حياً))، و كأن كلمة ((ما زلت حيا)) تخبرنا بأنه عانى الكثير و نال الكثير من أشكال التعذيب المختلفة و التي قد تؤدي أحياناً إلى الموت، و ما أظن تعذيبه إلا "غربة النفس و الروح" بسبب التناقضات التي نحياها و نستنشقها يومياً مع هوائنا .. ولكن لِم أتوقع أنها غربة النفس و الروح؟؟ آمل انني أستطيع الإيضاح من خلال محاولة إبحاريى هذه.
بعد التأكيد على أنه حياً يوضح لنا حال روحه بأنها ]((بحر ثلج))، ((شظايا))، ((انكسارات حزينة)) [ ((بحر ثلج)) جميعنا يعلم أن البحر يغطي ثلاث أرباع الكرة الأرضية، أي أن شاعرنا روحه أضحى ثلاث أرباعها يكسوها الثلج، روحٌ ثلاث أرباعها ثلج ... يا لها من روح!!
((شظايا)) تحطم الزجاج و استحال الى شظايا ... تطاير الجسد و استحال الى شظايا ... فهل يعودا زجاجاً و جسداً ؟! و هل هناك مجالاً لإعادة الصياغة و الرتق و التجميع ؟؟!! لا أظن هذا، إلا أنني لن استعجل الحكم ...((انكسارات حزينة)) لم يقل شاعرنا كسرة بل قال انكسارات... كما انه ليؤكد مدى عمق هذه الانكسارات اضاف كلمة حزينة عليها ...ولم يكتف بعمق ايحاء كلماته بل جمع بينها ب "واو المعية" التي اضافت حزنا على حزن ... روح شبة متجمدة و متشظية و منكسرة ... و هنا أتساءل روحُ هذه حالها يعتبر صاحبها حياً؟!
((طروادة العذراء يخنقها الحصار))
ماذا عنى شاعرنا ب ((طروادة العذراء)) أعنى "روحه" أم "حال مدينته" والتي بسببها استحالت روحه كما ذكر؟؟
((في المدى غيوم الموت قادمة
و نحن نفتح لحصان الغدر
أبواب المدينة ))
يرى شاعرنا في مدى "طروادته" غيوماً قادمة و لكنها ليست كأي غيوم هي غيوم ستمطر علينا الموت، بحق أخافني بكلامه فهو يتنبأ بالأسوء ، و هل بعد ما نحن فيه "أسوء"؟! وبعدها يزداد الخوف و الحزن حين نفتح لحصان الغدر أبواب المدينة فشاعرنا لم يقل باب المدينة بل قال أبواب، فهل شاعرنا متشائمُ أم أن له عيناً بصيرة مستشرفة على المستقبل؟!
أي بحر من جنون ..!
أي طوفان مقيت ..؟!
أي غيم أسود !
وأي ريح أسقطت قناع الزيف
يا وجه الحقيقة ؟!
يستهجن شاعرنا فعلتنا بفتحنا أبواب المدينة ل((حصان الغدر) بوصفه "فعلتنا" ب((بحر من جنون)) ((طوفان مقيت)) ((غيم أسود))((ريح أسقطت قناع الزيف))، لا أدري هنا كيف أصوغ ما أراه ... فأنا ارى ريحاً عاتبه أسقطت قناع زيف ،زيف الغيوم التي في المدى بأنها ليست غيوما عادية بل هي غيوم سوداء لا بل كما ذكرها لنا في مقطوعته السابقة((غيوم موت)) فأمطرت علينا مطراً أسوداً شكَّل طوفانا مقيتاً و اتِّساع رقعة الطوفان شكَّل لنا بحراً ... و اي بحر؟؟!! نتج لدينا ((بحر من جنون))... صدق و الله ففتحنا أبواب المدينة لحصان الغدر لهو بحر من جنون ... ما أروعك و أعمقك يا شاعرنا
بعد مقطوعة شاعرنا هذه بدأنا نعي لم هي هكذا روحه....
سامحيني يا حبيبة
إذ أتيتك مرهقاً
كالنخل حين تهزه هوج العواصف
مثلما البحر المكسر كالمرايا
مثلما الصحراء .. إذ يمتد في جنباتها
وهم السراب
مثلما الليل المعرى من نجوم .. ساهرات
فغدا سجناً .. محاطاً بالسواد !
يأتي هنا إلى المحبوبة ليطلب منها العذر على كونه مرهقاً... يصف لها إرهاقه بأنه:
((كالنخل حين تهزه هوج العواصف))، ((البحر المكسر كالمرايا))، ((الصحراء إذ يمتد في جنباتها وهم السراب))، ((الليل المعرى من نجوم ساهرات)) أتى لنا الشاعر برموز قوة ليشتسهد بها، لكنه حين استشهد بها سلبها قوتها، فغدت كسيرة ضعيفة ... فنحن نعلم أن النخل موته وقوفاً أتى هنا مهتزاً!!!. البحر الذي يخافه حتى أعتى عتاة البحر أتى لنا به مكسرا كالمرايا!!... الصحراء بجبروتها و قسوتها أتى لنا بها ممتدة ، و بماذا ب ((وهم السراب!!!...)) نفى عن رموز القوة قوتها ... فأضحت بلا حول و لا قوة... حتى الليل نفى عنه نجومه فأصبح سجنا محاطا بسواد ...
هذا أنا ..
بستان شوك مالح
أفق غريب دون شمس
زورق .. فقد الشراع
بئر حزن صامت ..
وألف عصفور قتيل ..!
من جراحي نزف دجلة
في دمي صوت الجليل ..!
في الثنايا من فؤادي
بسمة خجلى تراود
ثغرك الوردي ..
يا حلم الرؤى
وفي عينيك .. رايات لأرض
وجهها وجه الحريق ..!
يستكمل حديثه مع المحبوبة،في المقطوعة السابقة وصف لها تعبه و ارهاقه إلا أنه في هذه المقطوعة يصف لها حاله هو ب ](( بستان شوك مالح))، ((أفق غريب دون شمس))، ((زورق .. فقد الشراع))، ((بئر حزن صامت))،(( وألف عصفور قتيل))
في هذه العبارات نفى الشيء عن ذاته فصار غريبا عن نفسه أو لنقل أصبح طيفا مشوها عن الاصل، فما البستان ان لم يكن به أشجارا وورودا؟؟!! إن أنبتت الارض شوكاً هل تُعد بستاناً؟!
و ما الافق أن خلى من الشمس؟؟!! هل يصبح أفقاً ينظر اليه الحالمين و الآملين ؟؟!! بعد خلوه من الشمس أيُطلق على الأفق أفقاً؟!
زورق فاقد لشراعه يعد زورقاً؟! و كيف يسير؟! و هل يخدم صاحبه الزروق بلا شراع؟!بئر بلا ماء و بلا أناس يطلبون السقيا هي يعد بئراً؟! ام يصبح حفرة ؟!و ما هو العصفور القتيل؟! حرية مسلوبة بل حرية مقتولة و شاعرنا قال الف عصفور ....بوصفه نفسه بهذه العبارات نفى نفسه عن نفسه فاستحال شيئا آخر هو يجهله... و لا أدري لِم أتذكر هنا قول نزار قباني في أحد قصائده واصفا نفسه ((اني مرساة لا ترسو ... جرح بملامح انسان)) فهل أردت ايصال هذا للمحبوبة؟!
من جراحي نزف دجلة
في دمي صوت الجليل ..!
في الثنايا من فؤادي
بسمة خجلى تراود
ثغرك الوردي ..
يا حلم الرؤى
وفي عينيك .. رايات لأرض
وجهها وجه الحريق ..!
حقا لا أدري هنا ما أقول و ما أعلق فشاعرنا يصف جريان نهر دجلة ما هو إلا نزف عن و من جراحة، كما يقول أن صوت الجليل في دمه، كيف لا و هي ارضه و مدينته... كيف لا!!
كما ان في قلب شاعرنا ابتسامة خجلة ربما بسبب شعوره بالتقصير تجاه المحبوبة (و التي قلت بانها قد تكون مدينته نفسها و قد تكون محبوبة فعلية) و قد يكون خجله بسبب ضعفه و غربة روحه... هذة الابتسامة متطلعة الى ثغر المحبوبة و التي يرى فيها الاحلام .. و لكنه حين ينظر في عينيها يجد رايات لأرض و لكن وجه هذه الارض وجه الحريق ... و هنا أتساءل لم القسوة على المحبوبة؟! هي تحتاج لمن يهدهدها لا لمن يقسو عليها ... لا تقسو عليها حتى لو كنت ضعيفا و غريبا عن نفسك .. فهي تحتاجك و تراك مرفأها ... فلا تقسو عليها
أحبك أدري
ان حبك قاتلي ..
وان حصار الروح يقتل
كل أحلامي الجميلة
..كيف البحار جميعها ..
أضحت مطايا ..
تحضن الريح الدخيلة ..؟
تعبت .. تعبت
وقاتلي دوما أنا ..
سيف القبيلة ..
يستمر شاعرنا بمخاطبته المحبوبة و يقول لها أحبك ادري و ان حبك قاتلي إلا أن الحصار المفروض على روحه بسبب الاحوال المحيطة يقتل كل أحلامه الجميلة التي كان يحلم بها من اجل و مع المحبوبة و هذا من خلال أحبك أدري
ان حبك قاتلي ..
وان حصار الروح يقتل
كل أحلامي الجميلة
كيف البحار جميعها ..
أضحت مطايا ..
تحضن الريح الدخيلة ..؟
يطرح سؤالا يتضمن يسعى من ورائه الاستهجان و عدم الفهم و التصديق بأن كيف اضحت جميع بحارنا "مطايا" و هذه المطايا تحتضن الريح الدخيلة ,,, لم يستخدم شاعرنا كلمة تحمل، تنقل بل قال تحضن، حقا كيف اضحت بحارنا حاضنة لكل ما هو دخيل و غريب ... ما اروعك يا أستاذي و أعمقك
تعبت .. تعبت
وقاتلي دوما أنا ..
سيف القبيلة ..
يعلن بل و يصرخ تعباً و يؤكد ذلك بتكراره لكلمة تعبت، كيف لا و كل ما هو حوله غريب ضعيف مسلوب.. كما انه تعب لانه يعلم قاتله سيف القبيلة .. فسيف القبيلة بدلا من ان يكون حامٍ له غدا هو القاتل .
الريح تعرف دربها
وكذا شراعي
غير ان الموج قد هجر البحار ..
الريح تعرف دربها
لكن ظهر الريح
اثقله الغبار ..!
يوضح شاعرنا هنا أن الطريق معروفة معالمه ((الريح تعرف دربها)) و ان الذنب ليس ذنبه ((و كذا شراعي)) فالعيب و النقص ليس ليس بسبب عدم وضوح الطريق و ليس به و لكن العيب ((موج البحر قد هجر البحار)) و أكاد أجزم ان ((موج البحر)) و ((سيف القبيلة)) نفس الشخص ...
و يعاود و يؤكد بأن الطريق واضحة ((الريح تعرف دربها)) و ايضا يعاود و يؤكد أن ((ظهر الريح أثقله الغبار)) يف يتحرك موج البحر اذا لم يكن هناك ريح تسيره ... و كيف يقطع الحسام ان كان قلبه صدئ ؟؟!!
ما زلت حياً يا حبيبة
غير ان الروح صارت ..
بحر ثلج وشظايا
وغروب .. وانكسارات حزينة ..!
يعاود و يؤكد في مقطوعته الأخيرة بانه حي يرزق و لكن الروح ((صارت)) بحر ثلج و شظايا . نلاحظ انها كانت في المقطع الأول من القصيدة ((أضحت)) و في المقطع الأخير ((صارت)) كما أنه اضاف كلمة ((غروب)) و انكسارات حزينة ... و ما هو الغروب إلا إيذانا بانتهاء النهار ... مع هذا يؤكد بأنه مازال حياً ...
و يا شاعرنا القدير اعذرني على قولي بل على سؤالي ((أحقا ما زلت حياً؟!!!)) بطل اقصيدة ميتةُ روحه و ما فائدة الجسد بلا روح لهذا وكلي انكسارات حزينة لأجله "انعيه ميتاً" كما اقف اجلالأ و اكراماً لك و لقلمك يا استاذي و اخي القدير ... بدت أحفظ قصيدتك عن ظهر قلب و كلما رأيت مالم أفهم اجدني اردد
مازلت حيا
غير أن الروح أضحت
بحر ثلج و شظايا
و انكسارات حزينة

ليست هناك تعليقات: